يُعدّ برونو هوفمان، المولود في الخامس عشر من سبتمبر عام 1913 والمتوفى في الحادي عشر من أبريل عام 1991، شخصية محورية في تاريخ الموسيقى، فهو عازف قيثارة زجاجية ألماني نذر حياته لإحياء آلة موسيقية فريدة من نوعها. يُعرف هوفمان على نطاق واسع بأنه العبقري الذي لم يعيد الاهتمام المعاصر بالقيثارة الزجاجية فحسب، بل بالهارمونيكا الزجاجية أيضًا، ليُخرج هذه الآلات الرقيقة من طي النسيان ويعيدها إلى الواجهة الموسيقية العالمية.
نشأته وبداية شغفه الموسيقي
وُلد برونو هوفمان في مدينة شتوتغارت الألمانية، وترعرع في كنف عائلة موسيقية، حيث كان والده مديرًا لموسيقى الكنيسة، وهو ما غرس فيه حب الفن منذ صغره. تلقى هوفمان تدريبًا موسيقيًا كلاسيكيًا متينًا، حيث أتقن العزف على آلتي البيانو والأرغن. ومع ذلك، كان القدر ينتظره عند منعطف آخر. في سن السادسة عشرة، حدث لقاء مصيري غير مجرى حياته؛ فقد تعرف على "النظارات الموسيقية" التي تُعرف أيضًا بالقيثارة الزجاجية. هذا اللقاء أشعل فيه شرارة الشغف، ودفعته تلك اللحظة إلى تكريس نفسه، بلا هوادة، لإعادة إحياء هذا "الجمال الغريب" الذي سُحر به.
إحياء تراث القيثارة الزجاجية
لم يكن إعجاب هوفمان بالآلة مجرد نزوة عابرة، بل تحول إلى مهمة حياتية. غاص في أعماق التاريخ الموسيقي، باحثًا ومنقبًا عن الذخيرة القديمة المخصصة للقيثارة الزجاجية. اكتشف وأتقن العديد من الأعمال التي كتبها عمالقة الموسيقى أمثال فولفجانج أماديوس موزارت، ويوهان فريدريش ريتشاردت، وكارل ليوبولد روليج، ويوهان أبراهام بيتر شولز، ويوهان جوتليب نومان، وغيرهم من الملحنين الذين كانوا قد كتبوا لهذه الآلة في أوج شعبيتها خلال القرن الثامن عشر. بفضل مهارته الفذة وشغفه المعدي، لم يكتفِ هوفمان بإعادة تقديم هذه الأعمال التاريخية للجمهور المعاصر، بل ألهم العديد من الملحنين المعاصرين للكتابة خصيصًا له، مما أثرى مكتبة القيثارة الزجاجية بأعمال جديدة ومتنوعة، وساهم في استمرارية تطورها الفني.
الابتكار والأداء على المسرح العالمي
تجاوزت مساهمات هوفمان العزف؛ فقد كان أيضًا باحثًا وكاتبًا، إذ قام بتأليف مقال "Glasharmonika" (الهارمونيكا الزجاجية) الشهير ضمن الموسوعة الموسيقية الألمانية المرموقة "Musik in Geschichte und Gegenwart"، مما يؤكد مكانته كسلطة معرفية في هذا المجال. ولم يكتفِ هوفمان بالاعتماد على الآلات المتوفرة، بل صمم وبنى آلته الخاصة بدءًا من عام 1929، أي في نفس العام الذي اكتشف فيه النظارات الموسيقية بعمر السادسة عشرة. كانت هذه الآلة المبتكرة تتكون من مجموعة من كؤوس النبيذ الزجاجية المُرتبة بعناية داخل صندوق خشبي، حيث تُفرك حواف هذه الكؤوس الرقيقة بأصابع مبتلة لإنتاج أنغام صافية وساحرة. انطلق هوفمان بآلته الفريدة ليُبهر الجماهير في جميع أنحاء ألمانيا والجزر البريطانية، مقدمًا عروضًا مبهرة كعازف منفرد، ومع فرق الحجرة المتنوعة، وحتى مع الأوركسترات الكبيرة. على مدار حياته المهنية الطويلة، ظهر في عدد لا يُحصى من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وقام بالعديد من التسجيلات البارزة، والتي كان من بينها مشاركته الموسيقية في الفيلم الشهير "كازانوفا" للمخرج الإيطالي الكبير فيديريكو فيليني، مما أضاف بعدًا عالميًا لآلة القيثارة الزجاجية.
إرث في السينما والتسجيلات الخالدة
لم يقتصر تأثير برونو هوفمان على قاعات الحفلات الموسيقية واستوديوهات التسجيل، بل امتد ليطال عالم السينما أيضًا. فقد ظهر في عدة أفلام، من بينها فيلم وثائقي يسلط الضوء على حياة ومساهمات بنجامين فرانكلين، وهو أمر ذو دلالة خاصة بالنظر إلى أن فرانكلين نفسه هو من يُنسب إليه اختراع الهارمونيكا الزجاجية في صورتها الحديثة. كما ترك هوفمان بصمته في الموسيقى التصويرية السينمائية، حيث شارك في التسجيل الأصلي لـ "The Razor's Edge" للموسيقي الشهير جاك نيتشه، مما أضاف نكهة فريدة ومميزة لتلك الأعمال. وبهذا، رسخ هوفمان مكانة القيثارة الزجاجية كآلة قادرة على التعبير الفني في مختلف الأوساط. توفي برونو هوفمان في مسقط رأسه بشتوتغارت عام 1991، تاركًا خلفه إرثًا غنيًا يمتد لأكثر من 77 عامًا، وذكرى فنان كرس حياته لإنقاذ وإحياء آلة موسيقية رائعة.
الأسئلة المتكررة (FAQs)
- من هو برونو هوفمان؟
- برونو هوفمان هو عازف قيثارة زجاجية ألماني وُلد عام 1913 وتوفي عام 1991، ويُعرف بجهوده الكبيرة في إحياء الاهتمام المعاصر بالقيثارة الزجاجية والهارمونيكا الزجاجية كآلات موسيقية فنية.
- ما هي القيثارة الزجاجية أو الهارمونيكا الزجاجية؟
- القيثارة الزجاجية، أو الهارمونيكا الزجاجية، هي آلة موسيقية تتكون عادةً من مجموعة من الأكواب أو الأوعية الزجاجية ذات الأحجام المختلفة، يتم فرك حوافها المبللة لإنتاج أنغام موسيقية مميزة، غالبًا ما توصف بأنها أثيرية وساحرة. يعود تاريخ اختراع الهارمونيكا الزجاجية بشكلها الحديث إلى بنجامين فرانكلين في القرن الثامن عشر.
- ما هو الدور الذي لعبه هوفمان في إحياء هذه الآلة؟
- اكتشف هوفمان وأتقن الذخيرة التاريخية للقيثارة الزجاجية لملحنين كبار مثل موزارت، وألهم العديد من الملحنين المعاصرين لكتابة أعمال جديدة له. كما صمم وبنى آلاته الخاصة، وقدم عروضًا عالمية، مما أعاد هذه الآلة إلى الواجهة الموسيقية والثقافية.
- هل صمم برونو هوفمان آلة القيثارة الزجاجية بنفسه؟
- لم يخترع هوفمان القيثارة الزجاجية، لكنه صمم وبنى أدواته الخاصة ابتداءً من عام 1929، والتي كانت عبارة عن مجموعة من كؤوس النبيذ المركبة في صندوق خشبي، وذلك لتحقيق جودة الصوت التي كان يسعى إليها ولإحياء الآلة بطريقته الفريدة.
- ما هي بعض أبرز مشاركات برونو هوفمان الإعلامية؟
- ظهر هوفمان في العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وقام بتسجيلات موسيقية عديدة، بما في ذلك مشاركته في الموسيقى التصويرية لفيلم "كازانوفا" للمخرج فيليني، وكذلك في فيلم وثائقي عن بنجامين فرانكلين، والموسيقى التصويرية لـ "The Razor's Edge".

English
español
français
português
русский
العربية
简体中文 